أبي الفرج الأصفهاني
48
الأغاني
مكث ساعة فقال : إني لأجد ريح النسيم ، فما ترين ؟ قالت : أراها كما قال الشاعر : دان مسفّ فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح / كأنما بين أعلاه وأسفله ريط متشّرة أو ضوء مصباح فمن بمحفله كمن بنجوته والمستكنّ كمن يمشي بقرواح فقال : انجي لا أبالك ! فما انقضى كلامه حتى هطلت السماء عليهما . البيت الثاني من هذه الأبيات ليس من رواية ابن حبيب ولا الأصمعيّ . معنى قول الجارية « كأنها بطن حمار أصحر » : تعني أنه أبيض فيه حمرة . والصحرة لون كذلك . وقوله : « فمن بمحفله كمن بنجوته » : يعني من هو بحيث احتفل السيل - واحتفال كل شيء معظمه - كمن في نجوته . وقد روي « بمحفشه » ، وهما واحد ، ومعناهما مجرى معظم السيل . يقول : فمن هو في هذا الموضع منه كمن بنجوته ( أي ناحية عنه ) سواء لكثرة المطر . والقرواح : الفضاء ؛ / يقال قرواح وقرياح . ويقال في معنى المحفش : حفشت الأودية إذا سالت ، وتحفّشت المرأة على ولدها إذا قامت عليه . كان يسير ليلا فصرعته ناقته ، فأكرمه فضالة بن كلدة ، فمدحه : أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني عليّ بن أبي عامر السّهميّ المصريّ قال حدّثني أبو يوسف الأصبهانيّ قال حدّثني أبو محمد الباهليّ عن الأصمعيّ ، وذكر هذا الخبر أيضا التّوّزيّ عن أبي عبيدة ، فجمعت روايتيهما ، قالا : كان أوس بن حجر غزلا مغرما بالنساء ؛ فخرج في سفر ، حتى إذا كان بأرض بني أسد بين شرج وناظرة [ 1 ] ، فبينا هو يسير ظلاما إذ جالت به ناقته فصرعته فاندقّت فخذاه فبات مكانه ؛ حتى إذا أصبح غدا جواري الحيّ يجتنين الكمأة وغيرها من نبات الأرض والناس في ربيع . فبينا هنّ كذلك إذ بصرن بناقته تجول وقد علق زمامها في شجرة وأبصرنه ملقى ، ففزعن فهربن . فدعا بجارية منهن فقال لها : من أنت ؟ قالت : أنا حليمة بنت فضالة بن كلدة ، وكانت أصغرهن ؛ فأعطاها حجرا وقال لها : اذهبي إلى أبيك فقولي له : ابن هذا يقرئك السلام . فأخبرته فقال : يا بنيّة ، لقد أتيت أباك بمدح طويل أو هجاء طويل . ثم احتمل هو وأهله حتى بنى عليه بيته حيث صرع وقال : واللَّه لا أتحوّل أبدا حتى تبرأ ؛ وكانت حليمة تقوم عليه حتى استقلّ . فقال أوس بن حجر في ذلك : جدلت [ 2 ] على ليلة ساهره بصحراء شرج إلى ناظره تزاد لياليّ في طولها فليست بطلق ولا ساكره [ 3 ] أنوء برجل بها ذهنها [ 4 ] وأعيت بها أختها الغابرة
--> [ 1 ] شرج وناظره : موضعان . [ 2 ] الجدل : الصرع ؛ يقال : جدله وجدّله تجديلا فانجدل وتجدّل . وفي « الأصول » و « الديوان » : « خذلت » وظاهر أنه تصحيف . [ 3 ] ليلة طلق وطلقة : طيبة لا خرّ فيها ولا برد ولا مطر ولا قر ؛ ويقال : يوم طلق . وليلة ساكرة : ساكنة الريح ؛ يقال : سكرت الريح تسكر ( على وزان قعد ) سكورا وسكرانا إذا سكنت بعد الهبوب . [ 4 ] كذا في « اللسان » ( في مادة ذهن ) . والذهن : القوّة . والغابرة : الباقية . وفي « الأصول » و « الديوان » : . . . دهيها . . . العاثره .